التحرّش الجنسي.. أخلاقيات تحميها الذهنية الذكورية

كتبت إيمان أحمد ونوس في النور:

قد يقول قائل أو قارئ، إن هذا الموضوع قد أُثير كثيراً هنا في هذا المنبر أو سواه من المنابر الصحفية والإعلامية، وهذا صحيح، غير أن ما نلمسه أو نسمعه يومياً في رحلة الذهاب والعودة من العمل أو الجامعة أو أيّ مكان تذهب إليه الفتاة/المرأة وحيدة، يدفعنا إلى تسليط الضوء أكثر على تلك الظاهرة التي لم تعد تقتصر على المراهقين، بل امتدت لتشمل رجالاً قد يكون لديهم أحفاد، وتطول نساء كبيرات السن، وهذا ما يثير الحفيظة والاشمئزاز.

يُعتبر التحرّش بكل أشكاله (اللفظي، الجنسي… الخ) من السلوكيات السلبية والمنحرفة اجتماعياً وأخلاقياً، وغالباً ما يتجه نحو الشرائح الأضعف في المجتمع، والتي تتمثّل بالنساء والأطفال والمعوقين. وهذا ما يدفع بتلك الشرائح للشعور بفقدان الأمان سواء في الأماكن العامة، أو حتى داخل البيوت، حيث يمكن أن يقع التحرّش من مقرّبين أيضاً.

غير أن الدوافع وراء مثل هذا السلوك، إمّا أن تكون خللاً في البنية الأخلاقية والتربوية للمتحرّش، وإمّا بسبب اضطرابات جنسية تجعل المتحرّش يُعاني شعوراً بالنقص يعوّضه بتلك الممارسات المُشينة، إضافة إلى أن المتحرّش ذاته قد يكون خضع لتجربة مماثلة بالصغر خلّفت لديه صدمة نفسية عميقة دفعته للانتقام. كما يمكن أن يكون الدافع للتحرّش هو دفع المرأة بشكل عام للعودة إلى أسوار الحرملك، بعد أن خرجت لفضاءات العلم والعمل في بيئات متشدّدة، أو بسبب ارتداء فتيات من البيئات المنفتحة زيّاً لا يُناسب بعض المتشدّدين في مناطق معيّنة، أو حين تشارك وبقوة في الحياة العامة، أو الأحداث المصيرية التي تهز المجتمع، كما حدث في مصر أثناء الحركات الاحتجاجية عام 2011.

إذاً، التحرّش ‏سلوك سيئ، بحسب كل المفاهيم وبنظر كل المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات المتحرّرة، غير أن هذه الظاهرة ما زالت تُغزو المجتمعات العربية والإسلامية بشكل لافت، مما يجعل المرأة تحديداً في حالة استنفار تام أثناء وجودها في الأماكن العامة وحافلات النقل، باعتبارها الكائن الأقلّ حصانة في تلك المجتمعات. من هنا جاء تعريف المركز المصري لحقوق المرأة التحرّش الجنسي بأنه (كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يُضايق المرأة أو يُعطيها إحساساً بعدم الأمان).

وبحسب علماء النفس والاجتماع، يُعتبر التحرّش أحد أهم الاضطرابات الجنسية والنفسية، وأن السبب وراء هذا السلوك أزمات نفسية تتعلّق بطفولة المتحرّش، لأنه غالباً ما يكون شخصاً سلبياً انعزالياً ومقموعاً. كما يعود لضعف التنشئة الاجتماعية والتربوية للمتحرّش، وكذلك إلى عدم الاستقرار النفسي والعائلي لديه، وكذلك لقصور شخصي عند المتحرّش أو حبّ التفاخر أو المغامرة لديه، إضافة إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي يحملها عن الجنس الآخر، ولا يمكننا هنا إغفال مسألة غاية في الأهمية ألا وهي معضلة الكبت الجنسي التي يُعاني منها أفراد المجتمع من الجنسين بحكم التربية المحافظة والمتشدّدة في بعض البيئات، لاسيما تلك التي تمنع الاختلاط بين الجنسين، إضافة إلى غياب مادة التربية الجنسية من المناهج التعليمية في منظومتنا التربوية العربية والإسلامية عموماً بدعم وتأييد المنظومة الدينية التي ترفض إدراج هذه المادة في المناهج.

وممّا يُعزز استشراء تلك الظاهرة في المجتمع، هو منظومة القيم والأعراف والتقاليد الدينية والاجتماعية التي تُبيح للرجل فعل كل شيء، مقابل إدانة المرأة مسبقاً باعتبارها سبب كل بلاء، وأساس كل إغواء، وأنها القابعة دوماً خلف تصرفات شاذّة منحرفة كالتحرّش والاغتصاب، لكن الأكثر فظاعة ومرارة هو تناول بعض الأعمال الفنية (دراما، سينما) هذه الحالة بكثير من التسخيف وتحميل الفتاة وزرها المُشين حتى لو كان المُتحرّش أباً أو أخاً أو … الخ بما يُعطي الرجل مبررات أفعاله السيئة تلك، وأيضاً وسائل الدفاع عنه إن وقع في شرك القانون، وهذا غير وارد غالباً لأسباب تتعلّق بالمرأة ذاتها التي تخشى الإفصاح عن تعرّضها للتحرّش، وكذلك موقف أهل الفتاة- إن علموا بالأمر- والداعي دوماً إلى الصمت وسيلة وحيدة من أجل الحفاظ على سمعة العائلة وشرفها المرفوعة رايته دوماً على أكتاف النساء بسبب سيادة الذهنية المجتمعية التي تُجرّم المرأة حتى لو كانت ضحية، إضافة إلى غياب الثقافة القانونية وضعف الكثير من مواد القانون ذات الصلة والتي تُحابي الرجل على حساب إنسانية المرأة وحقوقها.

هنا، لا يمكننا إنكار الحالة النفسية للمرأة أو الفتاة التي تتعرّض لتلك السلوكيات المنحرفة، فهي قد تفقد الثقة كليّاً بالطرف الآخر- الرجل عموماً- وهذه حالة غير سوية، ما يولّد لديها نفوراً تاماً من الرجل، يُفسد علاقتها به إن كانت زوجة، إضافة إلى قلقها الدائم على بناتها أثناء حركتهن خارج البيت أو حتى داخله، وهذا بالتالي يُعيق الطريق أمام الفتيات لإكمال تعليمهن أو عملهن لاسيما إن كنّ من بيئات محافظة. ورغم كل هذا، وكل ما يُثار حول هذا الموضوع إن كان في وسائل الإعلام أو عبر القصص المتداولة بين الناس، إلاّ أن الأمر لم يتعدَّ التناول السطحي لظاهرة ما زالت للأسف بعيدة حتى عن النقاش العلمي، فكيف بإخضاعها للدراسة؟

شاهد أيضاً

كيف سرقت الحرب العالميّة الثانيّة من النساء تفاصيلهن الأنثويّة؟

كتبت آلاء عامر في الحل: في كتباها “ليس للحرب وجه أنثوي”، تُرجّع الصحفية والكاتبة البلاروسيّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *