المساواة الجندريّة مفهوم غائب عن المراهقين/ات السوريين/ات في لبنان

“جندر؟… لا أعتقد أنّني سمعت بهذه الكلمة من قبل”، “لا أعلم كيف يمكننا أن نطبق مفهوم المساواة هنا، لكن ما أعلمه هو أنّنا، نحن والفتيان، نعمل بنفس الدرجة ضمن بيئات صعبة للغاية”، “هناك مسافة واسعة بين الفتيان والفتيات في موضوع التعليم هنا في المخيمات”، “لا أعتقد أنّنا نحصل على نفس الحقوق، فالفتيات معرّضات للإجبار على الزواج المبكر، والتمييز في التربية والتعليم، أكثر بكثير من الفتيان. ولا أعلم أساسًا كيف يمكننا الوصول لأن نحصل على حقوق متساويّة أو لأن نطالب بها”.

هذه عينة من عبارات أسمعها بشكل مستمر من شبان وشابات سوريين/ات ضمن مخيمات اللجوء في لبنان، يعبرون/ن من خلالها، بلغتهم/ن، عن مفهوم غائب عنهم/ن وعن حياتهم/ن اليوميّة، رغم أهميته، وهو مفهوم الجندر والمساواة الجندريّة. ربما يعرفونه/يعرفنه من خلال تفاصيل يعايشونها بشكل يومي، ويسعون/يسعين لتطبيقه بشكل أو بآخر، أحيانًا كثيرة دون إدراك تام لمعناه، لكن المؤكد هو أنّ التوعية بشأنه وبأهميته غائبة عنهم/ن بشكل شبه تام في هذه البيئة، نتيجة عوامل وظروف عدّة.

كلّ ذلك يدفعنا للتساؤل: هل يعرف جيل اليافعين/ات السوريين/ات من اللاجئين/ات في المخيمات بلبنان كلمة “جندر”؟ هل سمعوا/سمعن بها من قبل؟ هل يدركون/يدركن معناها؟ هل يسعون/يسعين لتطبيقها أو الحصول عليها؟ أم أنّه أمر مقتصر على الراشدين/ات، وتَحُول ظروف الحرب واللجوء دون الوصول إليه وتحقيقه؟

دور التربية والمدرسة

تتعدّد العوامل التي تؤثر في التنشئة الاجتماعيّة، والتي تؤثر بدورها على تحديد الأدوار الجندريّة ضمن المجتمع، وتندرج هذه العوامل تحت عنوانين رئيسيين:

1-عوامل داخليّة: مثل الدين والأسرة والطبقة الاجتماعيّة والوضع الاقتصادي والمستوى التعليمي.

2- عوامل خارجيّة: مثل المؤسسات التعليميّة، وعلى رأسها المدارس والجامعات، والسياسة والثقافة ووسائل الإعلام.

كلّ ما ذكر أعلاه، وأكثر من ذلك، يعد عاملًا مؤثرًا في التنميط الجندري والأدوار الجندريّة التقليديّة، فمثلًا، تساعد أغلب الفتيات أمهاتهن في المطبخ وتنظيف المنزل، ويساعد الفتيان الآباء في العمل والنشاطات خارج المنزل. هذه القواعد يفرضها المجتمع والنظام التربوي والثقافي والتعليمي، وهي بالتأكيد تختلف بين أسرة وأخرى، وفي الوقت ذاته لا يوجد أيّ نص قانوني يحكم طرق التنشئة الاجتماعيّة والتربويّة، والتالي تبقى محكومة أكثر بالعادات والتقاليد والأعراف السائدة.

من جهة أخرى، تؤثر توقعات المعلمين/ات على التنميط الجندري للأطفال والمراهقين/ات، فغالبًا يُنظر للفتاة على أنّها الهادئة المؤدبة الخجولة، والعكس تمامًا بالنسبة للفتيان، المتوقع منهم دائمًا الشغب وكثرة الحركة واللعب في المدارس والحصص التعليميّة. هذه التوقعات المفترضة سابقًا لدى الفريق التعليمي تجعل الفرق شاسعًا بين الذكور والإناث، من خلال الأسئلة أو الأنشطة الموجهة لكلا الطرفين. لا يعود ذلك إلى سبب واحد بعينه، فالكثير من أعضاء الكوادر التعليميّة ليست لديهم/ن قناعة بالمساواة الجندريّة، أو لا يمتلكون/يمتلكن الخبرة الكافية في الحساسيّة الجندريّة، وهي مفهوم حديث نسبيًا في قواعدنا المهنيّة.

“لا مساواة” في التعليم والعمل

يصعب الحصول على بيانات إحصائيّة تخص المساواة الجندريّة بين الفتيان والفتيات السوريين/ات، وخصوصًا في مجتمعات اللجوء، وفي الوقت ذاته لا تمتلك هذه الفئة وصولًا كافيًا لبرامج وأنشطة يمكن أن تساعد على تحقيق هذه المساواة، كما تواجه صعوبات جمّة منها عمالة الأطفال، والتهميش في حق التعليم، والصعوبات الاقتصاديّة، والضغوط الاجتماعيّة، والعادات والتقاليد، وقصور القوانين ذات الصلة، ما يؤثر دون شك على القدرة على الوصول للمساواة الجندريّة، والتعريف بها لدى هذه الفئة أو تطبيقها.

تقول (ع. س.)، وهي فتاة سوريّة لها من العمر 15 عامًا، وتقيم في إحدى مخيمات منطقة البقاع اللبنانيّة: “نعمل، فتيانًا وفتيات، في معمل حلويات قريب من المخيم، منذ أكثر من عامين. لا فرق بيننا، فجميعنا مضطرون للعمل، لكن يمكنني الحديث عن اختلاف في نوع المهام المطلوبة منّا، فالصبيان يتوجهون للعمل بحمل الأوزان الثقيلة من الحلويات، ونحن الفتيات نكتفي بلف الورق لتغطية الحلوى”.

من خلال الحديث مع الفتاة، التي فضّلت عدم ذكر اسمها الكامل، لم تكن قادرة على معرفة فكرة المساواة الجندريّة، أو حتى التمييز الموجود بين الذكر والأنثى في بيئة الحياة والعمل اليوميّة، وكلّ ما تملكه من خبرات ومعلومات يدور حول علاقتها بمعمل الحلويات وزملائها هناك. هذه الخبرات التي تشكّل لديها، بشكل أو بآخر، وعيًا حول فكرة عدم المساواة، دون القدرة على الحديث عنها بشكل واضح ومفهوم.

في الأزمات والتهجير تتعزز الفروق الجندريّة، وتكون النساء أقل حظًا فيما يخص فرص التعليم من الرجال، فتتجه كثير من الأسر الفقيرة لتعليم الفتيان، وترك الفتيات للأعمال المنزليّة، أو دفعهن نحو الزواج المبكر، وذلك نتيجة مخاوف من أمور مثل التحرّش الذي يمكن أن تتعرض له الفتاة في الطريق إلى المدرسة، أو حتى مخاطر خروجها من المنزل والتعرّف على المجتمع المُضيف الذي قد لا يوفر الأمان بشكل كافٍ لها، أو ببساطة للتخفيف من الأعباء الاقتصاديّة على العائلة.

“أهلي يمنعونني من مغادرة المخيم خوفًا عليّ من الشبان في الطرقات، وأنا لم أتمكن من الذهاب إلى مدرستي لأنّني مسؤولة عن ترتيب المنزل والاهتمام بإخوتي الصغار عند ذهاب أمي وأبي إلى العمل”، تحدثني روان، بنبرة حزينة.

لم تتجاوز هذه الفتاة، القادمة من مدينة حمص السابعة عشر من عمرها، وهي مقيمة اليوم في مخيم للاجئين/ات في منطقة المرج. منذ أعوام كثيرة، العالم بالنسبة لها ليس أوسع من مساحة هذا المخيم. تقوم بجميع الأعمال المنزليّة وتتعرض للعنف في حرمانها من حق التنقل والتعليم خوفًا عليها، وتحت سترة العادات والتقاليد، ولا مساواة بالنسبة لها في أيّ من مفاصل حياتها، ولم تحصل من قبل على أيّة خبرة يمكن أن تساعدها على المطالبة بأيّ نوع من المساواة أو حتى التفكير بها.

برامج التوعية الجندريّة

ربما أصبح العالم اليوم مكانًا أفضل للنساء عمّا كان عليه منذ عقود، لكن الأمر ليس كذلك ضمن بيئة المجتمع السوري في لبنان، التي تعاني من تهميش مركب ومضاعف، وتواجه منظمات المجتمع المدني العاملة فيها تحديات هائلة، تتعلق بطبيعة البيئة والأسرة والعادات والتقاليد، إضافة لعوامل اقتصاديّة وماديّة واجتماعيّة معقدة، تزيد من وطأة الضغوطات والصعوبات التي تواجه عاملين وعاملات في هذه المنظمات.

بالتالي، لا تُشكّل برامج التوعية بمواضيع المساواة والجندر أولويّة لكثير من المنظمات، خاصة عند الحديث عن فئة المراهقين/ات، التي يندر أن تُخصّص لها أنشطة ومشاريع ذات صلة بهذه المواضيع.

ضمن هذا السياق، يرى حمود سليمان، وهو ناشط بإحدى منظمات المجتمع المدني في لبنان، بأنّ “العادات والتقاليد لها سلطة أقوى من البرامج المتعلقة بالمساواة الجندريّة، وهذه الصعوبة تبرز أكثر بسبب التقلّب الدائم في فكرة الاستقرار لدى المجتمعات المضيفة وخاصة لبنان، حيث تتلقى العديد من المنظمات دعمًا لتطبيق برامج توعية حول المساواة الجندريّة، وبنفس الوقت يتعرض اللاجئون/ات لضغوطات اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة تحول دون مشاركتهم/ن الفاعلة فيها، كما أنّ هذا النوع من البرامج يحتاج لحالة من الاستقرار في المجتمع المضيف وهو أمر غائب اليوم في لبنان”.

يذكر سليمان مثالّا، عن برامج عمل ضمنها حول الصحة الجنسيّة لليافعين/ات، لكنها واجهت رفضًا من بعض الأهالي بداية، وتطلب الأمر ضرورة شرحها بشكل مفصل ومبسط للعائلات، كي توافق على مشاركة أبنائها وبناتها فيها.

إضافة إلى ذلك، يواجه عمل هذه المنظمات صعوبات في تقبل اليافعين/ات أنفسهم لفكرة التغيير، بسبب إصرارهم/ن على التربية التي يتلقونها في المنزل، وبدرجة أقل في المدرسة، “لذلك من الضروري لنا العمل بالتوازي، بين الأهل وبين الفئة المستهدفة وهي اليافعين/ات”، يقول سليمان، ويضيف حول ملاحظته بأنّ الأمهات يتقبلن التغيير أكثر من الآباء، وربّما يعود ذلك حسب رأيه للضغوطات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي ترزح كثير من العائلات تحت وطأتها، وتجعل التغيير أصعب بالنسبة للآباء، المتمسكين ربما أكثر بالعادات والتقاليد.

من جهة أخرى، تشره لنا دانيا بيك، وهي ناشطة مدنيّة في لبنان، بأنّ العمل مع اليافعين واليافعات السوريين في مخيمات البقاع حول موضوع الجندر، يكون ضمن جلسات توعيّة مدرجة في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وذلك لحساسيّة هذا الموضوع. “بداية عملنا تكون بالتوعية حول قضايا التزويج المبكر والعنف وعمالة الأطفال، ثمّ نتطرق بشكل غير مباشر لموضوع الجندر والمساواة، وتختلف مدّة هذه الجلسات وتتراوح بين ساعة وساعة ونصف، حسب طبيعة العمل إن كان بشكل شخصي داخل المخيم أو عن طريق الإنترنت”.

يواجه هذا العمل، برأي دانيا، تحديات أقل من السابق، فبعد سنوات من العمل، أصبح المجتمع أكثر وعيًا لمفهوم الجندر، وهذا يبرز أهمية برامج التوعية على اختلافها. وتضيف الناشطة: “من الضروري رفع الوعي ضمن العائلة الواحدة، لتقبل أفراد العائلة لبعضهم البعض، ومن ثمّ زيادة ثقتهم بنفسهم، وقدرتهم على تكوين علاقات أكثر سلامًا فيما بينهم، عند كسرهم للحاجز النمطي في التفكير، وتقبل الفرق بين الذكر والأنثى بطريقة أكثر إيجابيّة. موضوع الجندر لا يقف عند حدّ العلاقة بين الذكر والأنثى، بل هو أوسع من ذلك ليصل إلى مرحلة تغير العادات والتقاليد في المجتمع”.

زرع أفكار المساواة الجندريّة لدى فئة اليافعين واليافعات بات أمرًا يشغل بال الناشطين/ات ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة حول العالم، وليس في لبنان وحسب. نرى برامج مُخصّصة لهم/ن، سواء بما يتعلق بالتوعية أو تطوير المهارات، ولا يعتبر ذلك أمرًا سهلًا مع الأخذ بعين الاعتبار تحديات كبيرة تواجه هذه البرامج، سواء على مستوى الموارد أو العوائق الثقافيّة والاجتماعيّة.

في لبنان، تواجه فئة المراهقين/ات السوريين/ات، خاصة أولئك الذين/اللواتي يعيشون/يعشن في المخيمات مرحلة حسّاسة اليوم، وتحديات مضاعفة، تترافق مع تغيير في شخصياتهم/ن وبيئات حياتهم/ن ودراستهم/ن وحتى عملهم/ن. ورغم ذلك، يستمر الناشطون/ات، ومنظمات المجتمع المدني، بالعمل على ترسيخ مفهوم المساواة وحتى تحقيقه، رفضًا للأفكار التقليديّة، وسعيًا نحو مجتمع تُحترم فيه حقوق الإنسان دون تمييز.

شاهد أيضاً

المرأة في الطائفة العلوية… لا توريث ولاحقوق

«شرفي ننزل ع المحكمة لتتنازلي عن حصتك» هذه الجملة سمعتها السيدة “نادين” مرتين في حياتها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.