حاربت الحجاب وتعدد الزوجات والتقاليد… ملكة أفغانستان الدمشقية التقدمية ثريا الطرزي

ساهمت محنة الأفغانيات الراهنة المتمثلة في عودة حكم جماعة طالبان المتشددة، في استدعاء سيرة وإنجازات واحدة من أهم الملكات في تاريخ أفغانستان والعالم الإسلامي، الملكة ثريا الطرزي، التي ولدت وترعرعت في سوريا.

المثير أن الملكة التي ولدت وتوفيت أيضاً عن 69 عاماً، في المنفى، كانت “سابقة لعصرها” وأعطت لمواطنيها لمحة عن مستقبل قائم على المساواة بين الجنسين، لم تتحقق إلى الآن بعد نحو قرن على حكمها.

ولدت ثريا في دمشق في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1899، لأب أفغاني هو المفكر والسياسي محمود الطرزي، وأم حلبيّة هي أسماء رسمية ابنة الشيخ محمد صالح الفتال مؤذن الجامع الأموي. وفي أفغانستان، تعود أصول ثريا إلى قبيلة البشتون المنحدرة من سلالة باركزاي، وفق الأكاديمي والمؤرخ السوري جوزيف زيتون.

نشأت ثريا على الأفكار التقدمية التي علمها إياها والدها الذي اختار سوريا منفى له بسبب خلافه السياسي مع الأمير عبد الرحمن خان (أمير أفغانستان بين عامي 1880 و1901).

وعادت مع أسرتها إلى أفغانستان بعد عفو عن المثقفين المنفيين أصدره أمير البلاد حبيب الله خان، فور توليه الحكم عقب وفاة سلفه. وهناك التقت نجل الأمير وولي العهد، أمان الله خان وارتبطا بعلاقة حب كُللت بالزواج عام 1913.

وعقب اغتيال والده عام 1919، نُصّب أمان الله ملكاً لأفغانستان وأصبحت ثريا ملكةً للبلاد. وكان كلاهما يمتلكان قدراً كبيراً من الوعي والثقافة، ولديهما رؤية تقدمية لإصلاح البلاد وإدخال الحداثة في كافة المجالات.

نضال نسوي فريد
كانت ثريا أول سيدة وملكة في أفغانستان تُعنى بحقوق المرأة وتعليمها وعملت على تثقيف النساء حول حقوقهن وطرق تعزيز مكانتهن في المجتمع والحياة السياسية. وصفتها الناشطة النسوية والسياسية الأفغانية البارزة شينكاي كاروخيل بأنها “كانت فريدة -امرأة قوية جداً واستثنائية” في زمانها.

عام 1926، تزامناً مع الذكرى السابعة لاستقلال أفغانستان عن بريطانيا، عقب الحرب الأنغلو أفغانية الثالثة عام 1919، قالت ثريا في خطبة بليغة: “الاستقلال ملك لنا جميعاً… هل تعتقدون أن أمتنا منذ البداية لا تحتاج إلا إلى الرجال لخدمتها؟ يجب على النساء أيضاً أن يأخذن دورهن كما فعلت النساء في السنوات الأولى لأمتنا والإسلام… يجب علينا جميعاً أن نحاول التسلح بأكبر قدر ممكن من المعرفة”.

عام 2020، اختارتها مجلة “التايم” الأمريكية العريقة ضمن “أكثر النساء نفوذاً في القرن الماضي”، موضحةً أن “ابنة المفكر الأفغاني الليبرالي كانت مولعة بالخروج على التقاليد. بصفتها أول ملكة لأفغانستان وزوجة الملك أمان الله خان، أصبحت واحدة من أقوى الشخصيات في الشرق الأوسط في عشرينييات القرن الماضي، واشتهرت في جميع أنحاء العالم بأفكارها التقدمية”.

ولفتت المجلة إلى أن الطرزي وزوجها قاما بحملة ضد تعدد الزوجات والحجاب على الرغم من المعارضة القوية التي وجداها، متابعةً أن الملكة افتتحت أول مدرسة للفتيات في البلاد عام 1921، وأسست مع والدتها أول مجلة نسائية تحت اسم “Ershad-I-Niswan” (إرشاد للنساء) عام 1927.

وأوضحت أن الموجة الثانية من الإصلاح التي قادتها الملكة كانت ضمن أهدافها أيضاً زيادة تعليم المرأة وتمثيلها في الحياة السياسية، ورفع سن الزواج.

وأكد موقع “أفغانستان أون لاين” هذه المعلومات، مبرزاً أن ثريا التي كانت ملكة لأفغانستان بين 28 شباط/ فبراير 1919 و14 كانون الثاني/ يناير 1929، كانت شخصية مؤثرة ليس في العالم الإسلامي فحسب، ولكن أيضاً في العالم بأسره.

وأضاف: “كانت الملكة ثريا دائماً بجانب زوجها في المناسبات الوطنية، وحفلات الصيد، واجتماعات مجلس الوزراء، وخيام الجنود الجرحى خلال حرب الاستقلال، وحتى في المقاطعات الخطيرة والمتمردة. كانت أول زوجة مسلمة تظهر علانية مع زوجها حتى أن الملك أمان الله خان عيّنها وزيرة للتعليم عام 1926”.

وشدد الموقع على أن الراحلة كانت “ملكة عطوفة وعملت بجد في مجالات حقوق المرأة والتعليم”. لم تكتف بتشجيع الفتيات على التعليم الأساسي بل أوفدت عدداً من الفتيات لتلقي التعليم العالي في تركيا.

“مؤامرة” تنهي حكمها

وعقب جولة في أوروبا، عاد الملك والملكة إلى أفغانستان عام 1928 عازمين على تحديث بلدهما. لكن السرعة التي أرادا بها ذلك، اصطدمت بالمجتمع المحافظ، فثار الناس عليهما. يعتقد أن إرسال الفتيات غير المتزوجات إلى التعليم في الخارج كان أكثر السياسات التي أثارت احتقان الأفغان.

وبعد حرب أهلية دامت عاماً، قرر الملك التنازل عن الحكم حقناً للدماء عام 1929، وانتقل إلى الهند بعض الوقت قبل اختيار إيطاليا منفى اختيارياً توفي فيه ولحقت به زوجته عقب ثماني سنوات.

حتى الآن، يعتقد كثيرون في أفغانستان أن الحكومة البريطانية كانت لها يد في الإطاحة بأمان الله، وأنها سعت إلى تخريب حكمه بشنها حملة سرية من الأخبار الكاذبة ضد زوجته.

قال المؤرخ الأفغاني حبيب الله رفيع لموقع “عرب نيوز” إن البريطانيين وزعوا صوراً مزيفة تُظهر الملكة وهي عارية الساقين خلال جولتها الأوروبية، موضحاً أن ذلك “مشهد صادم للكثيرين في أفغانستان”. وأضاف: “بريطانيا لا تستطيع تحمل رؤية أفغانستان حرة ومزدهرة، خوفاً من أن تُلهم الهند، التي كانت تحت احتلالها الراسخ، مثل هذه الحرية والتقدم لئلا تثور عليها أيضاً. هذا هو السبب في أن بريطانيا فعلت كل ما في وسعها لتقويض الحكم آنذاك، وخاصة الملكة”.

وكانت بريطانيا قلقة إزاء الهند، جوهرة تاج إمبراطوريتها آنذاك، بسبب علاقة أمان الله مع الاتحاد السوفياتي، سيّما مع توقيع الطرفين معاهدة صداقة في أيار/ مايو 1921.

واليوم، يرقد الملك والملكة السابقان في ضريح العائلة في حدائق الأمير شهيد في جلال آباد (شرق أفغانستان)، بينما تخشى الأفغانيات على حياتهن ويعجزن عن الخروج من دون برقع أو محرم.

المصدر: رصيف22

شاهد أيضاً

ما علاقة الذكورية بالاستبداد السياسي؟

ناهد بدوية (م 1958) سياسية سورية. شاركت في الحركة السياسية اليسارية في ثمانينات وتسعينات القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *