أن تكون فلسطينياً سورياً كويرياً مهجراً في أوروبا وغزة تقصف!

“الغسيل” الوردي الإسرائيلي اشتغل شغله إذ يراسلني أصدقاء كويريون ويسألونني كيف أدافع وأخرج في مظاهرة لدعم بلد لا يحتوي المثليين ويحرم المرأة حقوقها وإسرائيل تفتح ذراعيها لعطلهم على شواطئ فلسطينية بأسماء إسرائيلية تدعي التسامح…

تستفيق على أخبار تصلك من كل حدب وصوب، مجموعات الأهل والأقارب على واتساب وقصص الإنستغرام المحجوبة بعذر قساوة المنظر وغير ذلك من الصور ومقاطع الفيديو التي تدخل في كل تفاصيل حياتك اليومية المعتادة على وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وحتى سناب تشات وتيك توك.

يعود جرح عميق تلعقه كل حين بالتأجج ألماً ونوستالجيا وقسوة وغصة، لديك عمل، وأوراق ضريبية، وكورونا وحظر تجول قادم وألم في الصدر وضيق في التنفس ووهن عام وغضب!

تنطلق مظاهرة عارمة في برلين تضم خمسة عشر ألف شخص للتنديد بالعدوان الإسرائيلي على غزة والتهجير القسري من حي الشيخ جراح، المتظاهرون من كل الجنسيات والأعراق والخلفيات والتوجهات السياسية المتعاطفة مع الفلسطينيين. تخرج من بيتك وتستل لافتات كنت قد رسمتها وثبّتها مع أصدقائك، تنزل محطة القطار العامة وتمتطّ وجوه المارة لتقرأ ما كتبت بألمانيّة مكسّرة أو بالإنجليزية ” أوقفوا التطهير العرقي في فلسطين” فيبتعد الركاب عنك وكأنك تهمة. العلم الفلسطيني في زاوية اللافتة يدفع بالناظر – إلا من كان يتجه نحو المظاهرة إياها – إلى عقف حاجبيه أو إظهار ابتسامة استخفاف في وجهك، وأحياناً إلى قول “شابات شالوم” في وجهك بغرض استفزازي بحت تليه ضحكة، بافتراض ساذج -ضجرت من تبريره- أن المظاهرة ضد اليهود. يتجاهل أصحاب نظرات الاستفزاز والاستنتاجات الجاهزة احتمال انك تتظاهر ضد التمييز العنصري والاحتلال والاستهداف الممنهج لمدنيين ومدنيّات وأطفال لا حول لهم ولا قوة.

عند التجمع في ساحة Oranieinplatz أول ما تراه نشطاء يوزعون على الواصلين مناشير معنونة بـ( لا للحرب) معتبرين أن النزول إلى الشارع سيأجج حرباً بين طرفي نزاع في الشرق الأوسط البعيد وفق نظرة جاهلة استشراقية وليس عدواناً بين جيش جرار بمدفعية وتجهيزات ضد سجن مفتوح يقطنه شعب مذبوح محاصر لا ماء له ولا كهرباء ولا حتى حق في الحياة.

عناصر الشرطة الألمانية تكاد تساوي نصف عدد المتظاهرين، هتافات المتظاهرين يقطعها خطاب الشرطة كل 5 دقائق حول قواعد التباعد الاجتماعي ولبس الكمامات على الرغم من التزام غالبية الحضور.

النسويات العرب والألمانيات، اليساريات واليساريون، الفلسطينيات والفلسطينون المهاجرات والمهاجرون والمناصرون من كل جنسية وعرق يغطون الساحة ويتبادلون الهتافات بلغات عدة “الإنجليزية والألمانية والعربية”، الأعلام كلها حاضرة، علم فلسطين، علم الثورة السورية، علم الأرمن، وعلى لافتتي رسمت علم قوس قزح في الزاوية قبالة علم فلسطين في الزاوية الأخرى وكتبت “فلسطين قضية نسوية كويرية”. طالتني النظرات المتعجبة لكنها لم تمنع الكاميرات من التصوير ولم تجعل من حولي ينظر إليّ باستياء. لم يكن مهماً أن أحكي لأحد عن التقاطعية، فالتقاطعية كانت تمارس على الأرض فعلاً خارج الأوراق الأكاديمية البحثية والحلقات الضيقة للاستعلاء الفكري (مصطلح بديل عن الأصلي).

خسرت صوتي وأنا أهتف في كرويتسبيرغ وهيرمان بلاتس، المتظاهرون كلهم يرددون بعدي بالإنجليزية Free Free Palestine، كان هناك عزاءٌ ما، عزاءٌ طفولي تطهيري في أن صوتي بُحَّ. الشرطة اعتقلت عدة شبّان من المظاهرة بحجج التخريب ورشقوا الجميع بغاز مسيل للدموع، عدت إلى البيت وربطت اللافتات التي كانت بحوزتي كلّاً على محطة قطار مختلفة. عدت إلى البيت وشاركت حقائق تاريخية ومقابلات وصور وإحصائيات في كل مكان على الإنترنت، كنت قد حاولت التعايش معها، لكن اليوم والحدث والواقعة أعادتني للشعور بالذنب، الشعور بالذنب أني حاولت التعايش، وأن شعوري المؤقت باليأس هو جمر تحت الرماد يمكن أن يستعيد وهجه ويعلو أوراق البيروقراطية وقبر الحياة الرتيبة الزاخرة بالعنصرية اليومية والنظرات الدونية والحلقة المضنية من العمل حتى آمن أنّي لن أُرحّل وأستطيع سداد التأمين الصحي وأجرة الغرفة.

أعود إلى البيت، إعلام ألماني يقدم المظاهرة على أنها تجمع عنيف ومعادٍ للسامية، يرمي فيه المتظاهرون عناصر الشرطة الألمانية المسالمة بالقوارير الفارغة، ويرددون شعارات داعش. “نفديك يا أقصى” أضحى شعاراً داعشياً معادٍ للسامية يؤجج صواريخ حماس والمقاومة ويهدد دولة وادعة تدافع عن نفسها. المقاربة نفسها نجدها في إعلام هولندي وبريطاني يقارب المظاهرات التي يخرج فيها السيخ والأرمن والباكستانيون والكويريات والكويريون والنسويات والنسويون والمقهورات والمقهورون على نحو.

“الغسيل” الوردي الإسرائيلي اشتغل شغله إذ يراسلني أصدقاء كويريون ويسألونني كيف أدافع وأخرج في مظاهرة لدعم بلد لا يحتوي المثليين ويحرم المرأة حقوقها وإسرائيل تفتح ذراعيها لعطلهم على شواطئ فلسطينية بأسماء إسرائيلية تدعي التسامح، كيف أخبرهم عن ابتزاز إسرائيلي للمثليين والمثليات الفلسطينيين والفلسطينيات بأبشع الطرق الآن؟ من أين أبدأ؟

إنستغرام يحجب كل المحتوى الذي أنشر لدعم فلسطين. صديقة على الفيسبوك من غزة نشرت البارحة “سلم يا رب” وقتلت اليوم بقذيفة صاروخية. بُحّ صوتي أكثر ويقول لي جاري في السكن الأسترالي المحايد “أرِح صوتك، لا تتكلم”.

لا أملك وأهلي رفاهية الصوم عن الحقيقة، أتكلم اليوم ولا آبه، وأشتغل على مشروع للعمل وأملأ أوراق البيان الضريبي وأحاول ألا أفكر بعقدة الناجي وأحضّر للخروج في مظاهرة قريبة وأتابع الأخبار وأتنفس الصعداء طويلاً كل خمس دقائق وأرسل روابط توثق جرائم الاحتلال لأصدقائي الأوروبيين، وأنفخ على الجرح وأمشي من شرق برلين لغربها ونفسي طويل. وأردد في نفسي فلسطين قضيتي، فلسطين قضية نسوية كويرية.

شاهد أيضاً

“كأنني ركبت قطاراً باتجاه زمن قديم”… طقوس النساء داخل حمامات السوق في دمشق

كتبت الحسناء عدره في رصيف22: نساء شبه عاريات، يتربعن في جلستهن على أرض الرخام الزلقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *