دراسات وأبحاث

خطوة قانونية جديدة في مواجهة الثقافة الذكورية

بعد ما يُقارب سبعون عاماً على إقرار قانون العقوبات السّوري الصّادر بالمرسوم التشريعي رقم (148) لعام (1949)، وبتاريخ 12 آذار لعام 2020، أي بعد أربعة أيام على احتفال العالم بيوم المرأة العالمي في الثامن من آذار، صدر القانون رقم (2) في الجمهورية العربية السّورية ليُلغي المادّة (548) من قانون العقوبات السّوري، لتستعيد المرأة السّورية، بعد نضالٍ طويل، الحقّ في حماية حياتها، وذلك بإلغاء العُذر المخفّف لمرتكب ما يسمى (جريمة الشرف).

وجريمة الشّرف بالتعريف هي جريمة قتلٍ يرتكبها الذّكر حصرأ في أسرة ما، بحقّ أُنثى أو أكثر من ذات الأسرة، بناءً على شكوك قد تكون ظنّية حول ارتكاب الأنثى فعلأً مخلّاً بأخلاق الجاني، أو لربما يعتقد الجاني أنّ هذه الأفعال تُشكّل انتهاكاً ما لمجتمعه أودينه.

وتختلف أسباب قتل النّساء من شخصٍ لآخر، أو من مجتمعٍ لآخر (كالطّلاق، أو رفض زواج، أو الارتباط بعلاقة غير موافَقٍ عليها، أو حتّى قد تُرتكب جريمة الشّرف بحقّ الأنثى التي تعرّضت للاغتصاب) كلّ ذلك تحت عباءة وسترة تدعى الحفاظ على الشّرف وغسل العار.

مرّت المادّة 548 بمشوارٍ طويل، وعلى خطّيْن متوازيين غالبا”، أولّهما خطٌّ قانوني، حيث كان نصّ المادّة 548 في قانون العقوبات عند صدوره في عام (1949) تنص على ما يلي: «يستفيدُ من العذْر المحلّ من فاجأ زوجته، أو أحد أصوله أو فروعه، أو أخته في جرم الزنا المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما، أو إيذائهما، أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد»، أي يُعفى القاتل نهائياً من العقاب.

وبقي هذا الإعفاء من العقاب سارياً حتّى تمّ تعديل المادّة 548 في عام 2009 بالمرسوم التشريعي رقم (37)، حيث بات الفاعل يستفيد من عُذرٍ مخفّف بدلاً من العُذر المُحلّ ليصبح الحدّ الأدنى للعقوبة الحبس لمدة سنتين، بعد أن كان سابقاً مُعفى من العقاب.

وفي عام 2011 صدر المرسوم التّشريعي رقم (1) الذي عدّل عدّة مواد من قانون العقوبات السّوري، ومن بينها المادّة 548 ليحدّد عقوبة القاتل بالحبس من خمس إلى سبع سنوات.

وأخيراً، أُلغيت هذه المادّة نهائياً بالقانون رقم (2) لعام 2020، فلم يعد هنالك أي عذرٍ مخفّف أوْ سبب مبرّرٍ لمرتكب ما يُسمّى (جريمة الشرف) بحقّ النّساء، ويُعدّ هذا القانون خطوة أولى لتحقيق المساواة بين الرّجال والنّساء ولإنصاف المرأة فلا يوجد استثناء يحمي الرّجل في جريمة القتل.

أمّا الخطّ الثّاني فكان مسيرة النّضال النُّسوي السّوري، والتي بدأت نشاطاتها منذ زمن ربما يكون قد سبق صدور قاتون العقوبات في عام 1949، ومن المحطّات البارزة في هذا النّضال، على سبيل المثال لا الحصر، حملة (لا لقتل النّساء .. لا لجرائم الشّرف) في العام 2005 مع مرصد نساء سورية، وأيضاً مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة في الملتقى الوطني بتاريخ 2008. وفي العام 2009 اعتُمد اليوم العالمي لجرائم الشّرف بتاريخ 29 من اكتوبر/ تشرين الأول من كلّ عام، وكلّ ذلك بهدف دعم النّساء للقضاء على مايُسمّى جرائم الشرف.

إنّ إلغاء المادّة 548 يتفقّ مع الدستور السّوري، ومع الاتفاقيات الدّولية، فنحن نجد أنّ المادّة (33) من الدّستور السّوري لعام 2012 تنصّ على المساواة بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات، وأن لا فرق بينهم بسبب الجنس، أو اللّغة، أو الدّين، أو العقيدة. وانسجاماً مع هذه المادّة يُفترض أنّ أيّ نصّ تشريعي ينصّ على معاقبة المرأة والإباحة للرّجل يُمثّل مخالفة دستورية، وهو ماكان مثبتاً سابقأ في المادة 548 من قانون العقوبات، لذلك يُعتبر القانون رقم (2) لعام 2020 بداية التغيير الإيجابي المتوافق مع الدّستور، وتماشياً مع الاتفاقيات الدولية، واتفاقية مناهضة كافة أشكال التّمييز ضدّ المرأة (السيداو).

من النّظري إلى التطبيق

ينسجم الدّستور السّوري مع اتفاقية سيداو، فهو قد نصّ على المساواة بالرّغم من التحفّظات السّورية على بعض مواد الاتفاقية، إلاّ أنّ القوانين السّورية لازالت محدودة وغير معمقة في تطبيق بنود الاتفاقية، فهنالك تمييز ضدّ النّساء لا زال مكرّساً في قانون العقوبات السّوري، وقوانين أخرى غيره كالجنسية، والطّلاق، والإرث.

فهل تطبيق المساواة في الحقّ بالحياة طبقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلغاء المادة548، هو الدّرجة الأولى لمساواة المرأة مع الرّجل بكافة الحقوق مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ المرأة مساوية للرّجل في الواجبات عكسه تماماً في الحقوق فقط لأنها أنثى؟.

الكاتب
المحامية نور عويس
المصدر
مركز المواطنة المتساوية
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى