مقالات

ماذا عن العنف الأسري في زمن الحجر المنزلي؟

مع تفشّي فيروس كورونا في معظم دول العالم، نسأل: هل يُفاقم الحجر المنزلي ومنع التجوّل ظاهرة العنف الأسري؟ وما هي خيارات النساء المعرّضات للعنف في ظلّ الظروف القاهرة المستجدّة؟

فيما تنادي السلطات والمجتمعات بالتزام الأفراد منازلهم واعتماد “المسافة المجتمعيّة” سبيلاً للحدّ من انتشار كورونا، تطفو همومُ شرائح عمّاليّة ومجتمعيّة كثيرة إلى السطح لتُذكّر بأنّ التزام البيوت ليس أمراً رغيداً، ولا حتّى آمناً للجميع. ومن بين الفئات الأكثر تضرّراً، النساء المعرّضات للعنف الأسري اللّواتي فُرضت عليهنّ بدلاً من العزلة عُزلتَان: العزلة الناتجة عن البقاء القسري في المنزل والانسلاخ عن العالم الخارجي، والعزلة الناتجة عن بقائهنّ وحيدات مع أزواجٍ يسيئون معاملتهنّ ويتحكّمون بمصائرهنّ، وهم الآن يستفردون بهنّ ويسيطرون على كلّ نفس وحركة على امتداد الـ24 ساعة.

في ظلّ هذه المتغيّرات، ألن يغدو تفاقم العنف الأسري نتيجةً حتميّةً؟

القلق من الآتي سيّد الموقف
تُجمع العاملات في المنظّمات الحقوقيّة النسويّة، وفي الأخصّ تلك التي تقدّم الدعم للنساء، والأطفال، المعرّضين للعنف الأسري، على أن التخوّف من اشتداد حالات العنف الحاليّة، وتسجيل حالاتٍ جديدة، بات واقعاً لا مفرّ منه. فبالنسبة إليهنّ، من المتوقّع أن يصبح وضع المرأة في البيت أكثر هشاشةً بفعل احتكاكها المستمرّ مع المعنِّف وحجرها معه بين أربعة جدران، وخطر تعرّضها للإساءة الجسديّة والمعنويّة والاقتصاديّة والجنسيّة في كلّ لحظة، من دون أن يُترك لها خيار الخروج المتكرّر من المنزل، كما في السابق، والذي كان يتيح لها، إذا كانت تنعم بالحقّ في التنقّل في الأساس، الابتعاد عن مُرتكِب العنف لساعات، أو مزاولة عملها بانتظام، أو اللّجوء إلى الأهل والأصدقاء والجمعيّات، وإلى أنشطة كانت ترفّه بها عن نفسها.

اليوم، أصبحت المرأة المعرّضة للعنف في ظروف عاديّة أسيرةَ منزلٍ غير آمن في ظروف استثنائيّة. كما أنّها ستفكّر ألف مرّة قبل اتّخاذ قرار الخروج من البيت بغية حماية نفسها وبيتها من العدوى، ممّا سيعرّضها للعنف بوتيرة أعلى، وربّما أقسى.

في لبنان مثلاً، سجّل التجمّع النسائي الديمقراطي الذي يُعنى بدعم النساء المعرّضات للعنف والمناصرة من أجل تحقيق المساواة الجندريّة، ارتفاعاً في عدد الاتّصالات الواردة إلى الخطّ الساخن خلال شهر آذار/مارس بنسبة 50% مقارنةً مع الأشهر الماضية. ولكن ما زال مبكراً استنتاج ارتباط وثيق بين هذا المُعطى والأزمة الراهنة.

رولا زعيتر، المسؤولة عن إدارة هذا الخطّ، تؤكّد لـ”درج” أنّ “التجمّع مستمرّ في تلقّي اتّصالات جديدة وتقديم الدعم الاجتماعي للنساء المُبلِّغات، لكن عبر الهاتف ووسائل التواصل المتاحة. كما يستمرّ التجمّع في متابعة أوضاع النساء اللّواتي كنّ يستفدن من خدمات المركز قبل إعلان حالة التعبئة العامّة، عبر الهاتف أيضاً”.

لا يختلف المشهد كثيراً في مركز الدعم في منظّمة “كفى عنف واستغلال”، إذ أفادت ريان ماجد من منظّمة “كفى” بأنّ خدمات خطّ الدعم لن تتوقّف، والمتابعة عن بعد مستمرّة بين العاملات الاجتماعيّات والنساء المعرّضات للعنف.

اللافت أنّ عدد الاتّصالات الواردة إلى خطّ الدعم التابع لـ”كفى” لم يرتفع بشكل حاد بعد أزمة كورونا، وقد يعود ذلك إلى عدم تمتّع النساء بحريّة الاتّصال، في ظلّ سجنهنّ المتواصل مع مرتكِب العنف داخل المنزل والخناق المطبق عليهنّ بفعل حضوره معهنّ على مدار الساعة.

هذا الواقع المستجدّ أدّى بإحدى المتّصلات بـ”كفى” إلى اللّجوء إلى جارتها للتمكّن من استخدام الهاتف ومشاركة مشكلتها وأسئلتها بحريّة مع الجهة المُجيبة. إلى ذلك، لاحظ فريق العمل أنّ معظم الاتّصالات الحديثة مصدرها نساء منفصلات عن أزواجهنّ، ما يعني أنّهنّ لا يتشاركن وإيّاهم المسكنَ ذاته.

تتخوّف ماجد من تصاعد حالات العنف الأسري ضدّ النساء، والأطفال، نتيجة الأزمات الاقتصاديّة الخانقة المستفحلة بالبلاد وقلّة الموارد والخدمات وانتشار الفيروس وحالات الذعر منه، ممّا يُتوقّع أن يُنشئ أوضاعاً ضاغطة تفضي، كما في سائر الأزمات الأمنيّة والإنسانيّة، إلى المزيد من العصبيّة الجندريّة والتوتّر، لا سيّما داخل بيوت وعائلات تعاني نساؤها أصلاً من العنف والتسلّط.

أمّا بالنسبة إلى الدعم القانوني، فتُطمئن رولا زعيتر من التجمّع النسائي الديمقراطي إلى أنّ اللجنة القانونيّة مستمرّة في تقديم المشورة عبر الهاتف وتوفير الدعم المباشر للحالات الطارئة فقط، وسبيقى تدخّلها على هذا الشكل، طالما أنّ عمل المحاكم والدوائر الرسميّة معلّق أصلاً.

قوى الأمن الداخلي لن يتوقّف عملها
القلق من تبعات تفشّي كورونا وتعاظم حالات الضغط النفسي والضائقة الماديّة، لا تقتصر مفاعيله على قدرة شبكات الدعم الحاليّة على التحمّل وحسب، إنّما تنسحب على مدى التزام السلطات المعنيّة بالمواكبة، وتحديداً القوى الأمنيّة منها، واستمرارها بالاستجابة الجدّية لحالات العنف التي تردُها.

حتّى الساعة، لم يحدث بعد أن أُهمل تبليغ أو شكوى، إذ أكّدت المنظّمات المختصّة أنّها تابعت مع القوى الأمنيّة أكثر من حالة في الأسابيع الأخيرة عبر الهاتف، وقد قامت المخافر المعنيّة بواجباتها اتجاهها. غير أنّ الخوف هو من تراجع مستوى التدخّل الرسمي ونوعيّته في المستقبل، فيما لو دخل تفشّي الوباء فصلاً جديداً بعد ارتفاعٍ مفاجىء أو حاد، وتوقّفت أعمال الاستجابة، وتعطّل عمل المؤسّسات لفترة زمنيّة طويلة لن يكون بمقدور النساء المعرّضات للتهديد والخطر تحمّلها.

لذا، تحرص المنظّمات المعنيّة على تذكير القوى الأمنيّة بأهميّة الاستمرار في أخذ تبليغات النساء على محمل الجدّ وتلبية احتياجاتهنّ الأساسيّة في هذه المرحلة الدقيقة، وعدم السماح لبعبع كورونا بإهمال ضحايا العنف، أو استغلال بعض العناصر له كحجّة للتقاعس عن تلبية نداء، وإنقاذ حياة.

في هذا الإطار، أكّد مصدر في قوى الأمن الداخلي لـ”درج” أنّ الـ 1745، أي خط قوى الأمن الساخن المخصّص للتبليغ عن العنف الأسري والذي أُطلق في أواخر عام 2018، غير مُعلّق وما زال العناصر المكلّفون به جاهزين للردّ والاستجابة، وقد سجّلوا ورود 241 اتّصالاً للتبليغ عن حادثة عنف أسري منذ كانون الثاني/يناير 2020 حتّى تاريخ كتابة هذه السطور.

لم يلحظ المصدر ارتفاعاً في عدد التبليغات منذ الإعلان عن انتشار فيروس كورونا ودعوة الناس إلى البقاء في المنازل، لكنّه توقّع احتدام التوتّر في بعض البيوت، وأكّد أن العناصر الأمنيّة مستمرّة بتأدية واجباتها بشكل طبيعي.

إذاً، باستطاعة النساء المعرّضات للعنف الاستمرار في الاستفادة من خدمة الخطوط الساخنة والمشورة الاجتماعيّة والقانونيّة وتقديم الشكاوى في المخافر.

لكنّ هذه الخدمات، على أهميّتها، لن تكون كافية، ذلك أنّ الكثير من النساء سيكابدن، بالإضافة إلى الحجر المنزلي والحدّ من التجوّل والخوف من الفيروس أو الإصابة به، همَّ العيش في دائرة عنفيّة مغلقة. وبالتالي، ستكون النساء بحاجة إلى ما يتعدّى الاتّصال والكلام ليشمل المسكن البديل، مع أطفالهنّ، بعيداً من المُعنِّف، والدعم المادّي والصحّي اللازمَين للتمكّن من الاستمرار في العيش، والاستفادة من شبكات الدعم الاجتماعيّة والمحليّة الموازية للدولة، فضلاً عن متابعة ما أمكن من الملفّات القضائيّة الطارئة العالقة في المحاكم.

كيف بادرت دولٌ أخرى؟
ينسحب هذا الواقع المرير على دول عربيّة عدّة، تتشارك فيها الناشطات الحقوقيّات الهموم نفسها تقريباً. وفي هذا السياق، يُسجّل لفلسطين مبادرة فريدة من نوعها، سينفّذها فريق راديو نساء أف أم- Nisaa FM الذي يبثّ من رام الله.

وتشرح مديرة الإذاعة، الإعلاميّة ميسون عودة، لـ”درج”، أنّ التوجّه اليوم هو لتخصيص موجة خاصّة بأوضاع النساء وهمومهنّ على ضوء انتشار الفيروس. وستتطرّق هذه الحصص الإذاعيّة إلى عناوين تتعلّق بازدياد المسوؤليّات المترتّبة على النساء في زمن كورونا، وتبعات العمل عن بعد عليهنّ، والذي من المتوقّع أن يُضاف إلى أعباء العمل المنزلي، والاهتمام بالأولاد ودراستهم، وغيرها من المسؤوليّات اليوميّة التي غالباً ما تُلقى على عاتقهنّ.

ولفتت عودة إلى التعاون المثمر في هذا المجال بين وسائل الإعلام ووزارة شؤون المرأة في فلسطين التي أوصت بإيلاء الموضوع أهميّة قصوى، وبين الإعلام والمنظّمات النسويّة التي تزايد لجوؤها إلى القطاع الإعلامي في الآونة الأخيرة لإدراكها أهمّية التنسيق مع هذا القطاع بهدف تقديم إحاطة شاملة بالمسائل التي تهمّ النساء.

العالم الغربي: تمسّكٌ بنموذج دولة الرعاية الاجتماعيّة
في الدول الأوروبيّة، دقّت المجموعات النسويّة ناقوس الخطر حالما بدأ الحديث عن وجوب تفادي الاختلاط والتزام المنازل، وكانت سبّاقة، في فرنسا والولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة المتّحدة وغيرها، في توجيه الرسائل إلى المسؤولين الحكوميّين والأمنيّين لمطالبتهم بعدم الاقتطاع من الموارد المخصّصة للخدمات الاجتماعيّة التي تقدّمها الدولة، أو التفريط في استخدامها، منبّهةً إلى أنّ أوضاع الأفراد المعرّضين للعنف المنزلي ستتدهور في حال تخلّت السلطات عن مسؤوليّة تأمين استمراريّة الاستجابة الرسميّة لحالات العنف، ورصد المتطلّبات اللازمة لديمومتها، وتمويل المساكن الآمنة للنساء والأطفال الراغبين في تمضية “عزلة” خالية من الإساءة، بعيداً ممّن يتسبّبون لهم بالأذية والألم.

الصين: حظر التجوّل زاد الهرب صعوبة
تُرجع بعض المجموعات النسويّة الغربيّة قلقَها ومبادرتَها السريعة إلى التحرّك غداة الإعلان عن انتشار كورونا في أوروبا إلى تعلّمهنّ من تجارب اللواتي قاسَيْن العنف قبلهنّ، وتحديداً نساء الصين اللواتي ذقن العلقم خلال فترات الحجر المنزلي الطويلة وحظر التجوّل من دون إذنٍ خاص من الشرطة.

حينها، لجأت النساء الصينيّات إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تسليط الضوء على حالات العنف الموجّه ضد النساء، وتعزيز التضامن المجتمعي معهنّ، وتكثيف نشر أرقام الطوارئ والخطوط الساخنة الخاصّة بتلقّي شكاوى العنف.

تصاعدت مبادرات الدعم الإلكتروني خلال الأيّام الأولى من حظر التجوّل، مع توالي الأخبار المؤشّرة إلى اشتداد العنف الممارس على النساء في البيوت خلال الحجر، وإلى الطريق الشاق الذي سلكته بعض النساء من أجل الحصول على إذن عسكري يسمح لهنّ بمغادرة “مقاطعتهنّ” الموبوءة بالعنف… والكورونا.

الكاتب
مايا العمّار
المصدر
درج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *