مقالات
أخر الأخبار

هل تتساوى الواجبات مع الحقوق ويتحقق حلم المواطنة؟

مما لاشك فيه أن الحقوق والواجبات هما وجهان لعملة واحدة، تشكل في مجموعها مفهوم المواطنة. فممارسة المواطن لحقوقه، وواجبات الدولة تجاهه هي علاقة تبادلية، تفاعلية، تشاركية، توءمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، تُفترض هذه العلاقة المساواة بين الوطن والمواطن.

 فالحرية لا تسير دون نظام، والنظام لا قيمة له دون حرية. وتعد سورية بلداً متنوعاً جداً سواء في موقعه الجغرافي أو في تنوعه السكاني، وهو حالياً مرجل يغلي بنار الاختلاف السياسي والثقافي والاجتماعي والديني والعرقي، والدولة تمر بتحولات سياسية مهمة، وأحد أهم التحديات المطروحة لدى المشهد السوري هي كيفية إدارة التنوع والاختلاف لبناء دولة وطنية سورية ناتجة على عقد اجتماعي جديد، وخلق شعب سوري يحمل هوية وطنية سورية جامعة.

 لقد فرضت حالة الحراك السياسي بصورة واضحة ومباشرة إعادة الاعتبار لثقافة المواطنة بين فئات المجتمع، لأنها تعد أحد أهم المحفزات العملية للتحول الديمقراطي بما يضمن علاقة تكافئيه بين الوطن والمواطن. فإذا كانت المواطنة هي الحل فلابد من العمل الحي على هذا المفهوم (المواطنة (إن المواطنة تستند بمفهومها الحديث إلى أساس فلسفي قديم ارتبط بمفهوم الدولة المدينة باعتبارها هي الوحدة الأساسية في التكوين . ومن أجل منع استبداد الدولة وسلطتها نشأت فكرة المواطن الذي يمتلك حقوقاً غير قابلة للسلب أو الاعتداء عليها من قبل الدولة، وهي حقوق مدنية وسياسية واجتماعية من ضمنها:

الحق في المساواة مع الآخرين.

الحق في المشاركة في اتخاذ القرار السياسي.

الحقوق المرتبطة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 إن هذه العناصر الثلاثة التي تعطي مفهوم المواطنة معناه، تتلخص بسيادة القانون ضمن مؤسسات ديمقراطية.

ونلاحظ تعدد التعريفات لمفهوم المواطنة، وهو أكثر مفاهيم العلوم السياسية والاجتماعية تركيباً وتعقيداً، إذ يستمد المفهوم معناه في اللغة من مفهوم الوطن أي محل الإقامة والحماية، بينما نظر قاموس علم الاجتماع إلى المواطنة باعتبارها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة) يقوم من خلالها الطرف الأول (المواطن) بتقديم الولاء، بينما يتولى الطرف الثاني الحماية، وهذه العلاقة تتحدد عن طريق أنظمة الحكم القائمة – وفقاً لنظرية جان جاك روسو في العقد الاجتماعي – أن يكون للفرد )المواطن الفعال( في الدولة التي ينتمي إليها حقوقٌ يجب أن تقدّم إليه، ويحمل على عاتقه هو، في الوقت ذاته، مجموعةً من المسؤوليات الاجتماعية التي يلزم عليه تأديتها. وقد جاءت الاتفاقات والمواثيق الدولية كلها لتؤكد على المساواة بين البشر، وعدم جواز التمييز فيما بينهم بسبب العرق أو اللون أو الجنس، أو اللغة أو الدين أو غيرها من معايير التمايز والاختلاف بين البشر. وانضمت سورية إلى عدد كبير من الصكوك الدولية التي تنص على مجموعة من الحقوق والالتزامات الكفيلة باحترام كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية نذكر منها ما يلي:

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16/12/1966

الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، الصادرة في 31/12/1965

 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 28/12/1979

 كما أن سورية منضمة إلى 58 اتفاقية ذات صلة بحقوق العمال والحريات النقابية تم تبنيها ضمن إطار منظمة العمل الدولية، وهي منضمة إلى العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الثقافية والفكرية ضمن إطار منظمة (اليونيسكو). أما ما يوجد بين طيات الدستور الحالي من الحريات، فنحن نرى أن هنالك بعض المنطلقات الرئيسية كالحرية الشخصية وحرية الاعتقاد وإقامة الشعائر الدينية وحرية إبداء الرأي والتعليم والمسكن والملكية والعمل وإقامة التنظيمات النقابية والاجتماعية والمهنية وحق اللجوء السياسي، وذلك ضمن مواد الدستور في الباب الثاني- الفصل الأول منه، المادة 36 للحياة الخاصة حرمة يحميها القانون.

المادة الثامنة والثلاثون:

1 – لا يجوز إبعاد المواطن عن الوطن أو منعه من العودة إليه.

2- لا يجوز تسليم المواطن إلى أي جهة أجنبية.

المادة الثانية والأربعون:

1- حرية الاعتقاد مصونة وفقاً للقانون.

2- لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلانية بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير كافة.

المادة الرابعة والأربعون:  للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً والإضراب عن العمل في إطار مبادئ الدستور، وينظم القانون ممارسة هذه الحقوق.

إلا أن مواد الدستور لا تخلو من النقد لتتماشى مع مبدأ المواطنة، ومنها أن تحديد دين رئيس الجمهورية بالإسلام يخالف بند المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات كما نصّ عليه الدستور نفسه، فإن وصول مسيحي إلى الرئاسة لا يمكن أن يتم دون موافقة أكثرية البلاد المسلمة، فإن كانت الأكثرية راضية عن دعم مرشح مسيحي للوصول إلى الرئاسة فأين تقع المشكلة في ذلك.؟

لا يمكن هنا أن يتحقق مفهوم المواطنة إلا بالابتعاد عن تهميش أي شخص أو إقصائه أو تمييزه، على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو المعتقد، ضمن إطار دولة مدنية تراعي التنوع والتعدد مع توفير وسائلَ تكفل مشاركةَ الجميع في إدارة شؤون الدولة، وأيضاً يجب تفعيل المواطنة وإعلاء شأنها في الخطاب السياسي والديني والفكري، وتغيير الثقافة المجتمعية الخاصة بمفهوم المواطنة من خلال مؤسسات المجتمع المدني، فكلما كانت وسائل المشاركة ملزمة وفعالة ومتطورة في الدساتير، استوعبت الحراك السياسي المرتبط بالمواطنة، فهي علاقة جدلية بين التعديلات الدستورية ومفهوم المواطنة من خلال مدى إتاحة هذه التعديلات لحقوق المواطنة على مستوى الممارسة الحقيقية.

الكاتب
المحامية نور عويس
المصدر
جريدة النور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق