مقالات
أخر الأخبار

خارج نطاق المحكمة.. الزواج «العرفي»

أصبحت بنية المجتمع في ظل الأزمة الراهنة أكثر تعقيداً نتيجة الضغوط التي يتعرض لها الأفراد، ما أدى إلى ظهور العديد من المشاكل، منها زيادة معدلات الطلاق وانخفاض نسبة الزواج مع ارتفاع حالات الزواج العرفي، لأسباب كثيرة، علماً بأن لهذا النوع من الزواج منعكسات سلبية على الحياة الأسرية. إن التزاوج سلوك إنساني طبيعي لا غنى عنه لجنس البشر، فقد فطر الناس عليه، بالرغم من ذلك كله لا بد للمجتمع من أن يكون أكثر وعياً وإدراكاً لمخاطر الزواج غير الرسمي.

ما هو الزاوج العرفي؟

هوعقد زواج غير موثق بوثيقة رسمية، سواء أكان مكتوباً أو غير مكتوب، فحتى يكون الزاوج رسمياً لابدّ من توثيقه في الدائرة الخاصة بالتوثيق في الدولة، وترجع تسميته بالعرفي، كون هذا العقد اكتسب مسماه من العرف الذي اعتاد عليه أفراد المجتمع المسلم منذ عهد الرسول (ص).

لماذا يلجأ البعض إلى عقد الزواج العرفي؟

يعتقد أن عقد الزواج العرفي يتناسب عكسياً مع زيادة الوعي، ولكن ذلك غير مشروط، فهو كأي سلوك إنساني لا يمكن أن يتمّ إلا في وسط مناسب، ولن يكون مفاجئاً إن علمنا عدد حالات الزواج السري في الأوساط المثقفة مقارنة بتلك الأوساط الأقلّ معرفة وخبرة في شؤون الحياة، إذ يكون الزواج عرفيا في بعض الأوساط المجتمعية آلية لشرعنة وتقنين العلاقات الجنسية الحرة، في حال وُجد هناك رجل وامرأة وحدهما في منزل ما، أي مساكنة تحت غطاء الزوجية( شرعنة العلاقات الجنسية)، لأن مفهوم الحلال والحرام لا يزال يحكم إلى اليوم تحركات المجتمع.وقد يمثل (صيغة للخيانة الزوجية تحت غطاء ديني) بالنسبة إلى الرجال المتزوجين الذين ليس لهم (الجرأة) للعيش مع (خليلة) خارج نطاق الزواج والذين يريدون أيضاً (الحفاظ على أسرهم، وسمعتهم الاجتماعية).

ومن زواية أخرى يرجع انتشاره في بعض الأوساط الريفية إلى الجهل بالمعلومات الإدارية الواجب اتباعها في أغلب الحالات، فيلجؤون إليه ظناً أنه الأكثر شرعية بسبب عقده من شيخ،أو استسهالاً (للسرعة مثلاً، أو لبعد دائرةالأحوال المدنية التابعين له)، أو لمكتومية أحد الزوجين، فهؤلاء المكتومون لهم حق طبيعي في التزاوج، لكن المحكمة لن توثق لهم عقودهم، فيضطرهم ذلك إلى الزاوج العرفي بأركانه الشرعية، وشروطه كلها، وقد يكون السبب أحياناً عدم إعطاء رخصة زواج للشاب في خدمة العلم، أو المكلف بها، ما يدفعه إلى الزواج، ويبقى هذا الزواج عرفياً حتى يظهر الحمل على زوجته، وتدّعي عليه، حينئذ يثبّت القاضي زواجهما لعدم حصوله على موافقة التجنيد. وقد يبرر المتزوجين عرفياً اتجاههم بعدم قدرتهم على تحمّل التكاليف المرتفعة للزواج العادي، وبطول سنوات الدراسة والبطالة، وبالحاجة إلى تلبية الرغبات الجنسية الملحة لسن الشباب، لكن بطريقة حلال، أو باختلاف دين الزوج أو مذهب أحد الزوجين، فقد نصت الفقرة 2 من المادة 48 أحوال شخصية على: (زواج المسلمة بغير المسلم باطل). وفي حال كون أحد الزوجين أجنبي، مما يتطلب موافقة مسبقة من وزارة الداخلية فهذا الزواج ولو تم تثبيته بحكم قضائي يعلق تنفيذه على الحصول على الموافقة الأمنية. ويلجأ غالباً إلى هذه الطرق لحتمية الأمر الواقع المفروض في بعض الأوساط المجتمعية.

عواقب الزواج العرفي:

لأن الزواج غير المعلن (السري)، يفتقد ركنين أساسيين من أركانه، وهما الإشهار ووجود الولي، لذلك يعتبر عند البعضً باطلاً وفاسداً شرعاً، لافتقاره إلى ضمانات أساسية بالنسبة للمرأة، فهذا النوع من الزيجات يضيّع حقّ المرأة في مهر أو نفقة أو ميراث. وهو زواج غير موثوق، فتتمثل عواقبه في تضييعه أنساب الأولاد، إذ لا يمكن تثبيت نسب المولود إلا بإجراءات قضائية طويلة ربّما تجدي أو لا تجدي، ومن الممكن عند ذاك إنكار الزوج للطفل. فلا يبقى لإثباته سوى اليمين وفق المادة 145 أحوال شخصية. من جانب آخر حين يصبح هناك علاقة زوجية مشروطة بعدم وجود حمل، فبذلك إلغاء حقيقياً لحقّ المرأة في أمومتها وضياع حقوق (زوجات وأمهات).. ما يستتبع مشكلات في إثبات حق الفتاة كزوجة، فالمرأة هي الطرف الأضعف غالباً في الزواج العرفي وهي أكثر تعرضاً لسلبياته.

ومن هنا نرى أهمية دور المؤسسات الثقافية، فيجب أن تُعنى أكثر بالمناطق التي يكثر فيها هذا النوع من الزواج بالمحاضرات والتوعية المستمرة؛ فبينما يزداد التطوّر في مناطق، نجد مناطق أخرى نائية مازالت تعاني من تبعات قلة الوعي، ما يظهر التباين في مستويات الفهم الثقافي، التي لها بالغ الأثر في السلوك.

عقوبات وحلول قانونية أفلاطونية

تناول قانون العقوبات السوري من المادة 469 حتى 472الجرائم المتعلقة بالزواج:

إذا عقد أحد رجال الدين زواج قاصر لم يتم الثامنة عشرة من عمره دون أن يدون في العقد رضا من له الولاية على القاصر، أو أن يستعاض عنه بإذن القاضي، عوقب بالغرامة من مئة إلى مئتين وخمسين ليرة، ويستحق العقوبة نفسها رجل الدين الذي يعقد زواجاً قبل أن يتم الإعلانات وسائر المعاملات التي ينص عليها القانون أو الأحوال الشخصية، أو يتولى زواج امرأة قبل انقضاء عدتها.فمن تزوج بطريقة شرعية مع علمه ببطلان زواجه بسبب زواج سابق عوقب بالحبس من شهر إلى سنة ويستحق العقوبة نفسها رجل الدين الذي يتولى عقد الزواج المذكور مع علمه بالرابطة الزوجية السابقة. وينزل منزلة رجال الدين في تطبيق الأحكام السابقة المتعاقدون وممثلوهم والشهود الذين حضروا الزواج بصفتهم هذه. إلا أن هذه العقوبات رمزية، وتسقط في حال توجّه الزوجان إلى المحكمة، وادّعت الزوجة على زوجها، ووافق هو على تثبيت الزواج، فحتى العقوبة القانونية لم تعد رادعاً، ولا قيمة لها. ربما نحن بحاجة إلى تعديل المادة القانونية وزيادة العقوبة، سواء المالية منها أم الحبس والمحاكم، في المقابل، لا تزال تقف عاجزة أمام عشرات الزيجات من هذا النوع غير الموثّق بوثيقة رسمية. في ظل وجود قانون أحوال شخصية وقانون عقوبات غير منصفين ولا يساويان بين المواطنين في المجمتع، فلا يمكن أخذ أي إجراء صارم وتبقى المرأة هي الطرف الضعيف غالباً في الزواج العرفي، فهي أكثر تعرضاً لسلبياته، وتبعاً لها تعاني أسرتها كالوالدين والإخوة، ومن ثم الأولاد إذا لم يتم تسجيلهم.

الكاتب
المحامية نور عويس
المصدر
جريدة النور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى