مقالات

المساكنة في القانون السوري

إن ارتفاع التكلفة المادية للزواج التقليدي.. والملل من العادات القديمة.. والرغبة باكتشاف الآخر.. والحرية الفردية.. يضاف إليها تلبية رغبات مكبوتة؛ كلها مبررات ظاهرة المساكنة التي هي ظاهرة تلفّها السرية في الأغلبية الساحقة من حالاتها..

بداية، لابد لنا من توضيح مصطلح المساكنة: إنها عقد شفهي بين ذكر وأنثى عازبين يلتزمان فيه بالعيش المشترك تحت سقف واحد ويبيحان لنفسيهما التمتع أحدهما بالآخر أحياناً، ويتشاركان في الوجوه الأخرى للحياة العامة بصيغ مختلفة ومتعددة بعيدةعن الضغوط العائلية والعادات الاجتماعية، وهي لا تعني بالضرورة القيام بعلاقة جنسية كاملة مع الطرف الآخر، ولا تعني السكن الدائم مع الشريك، فقد تكون هناك صداقات حقيقية ليس لها صلة بالجنس، فيتعامل الطرفان على أنهم شركاء في السكن وكأنهم من الجنس نفسه).

ومن الطبيعي أن يرفض المجتمع السوري فكرة المساكنة لأنه من المجتمعات المحافظة ويعتبر هذه الظاهرة غريبة عن عاداته وتقاليده، ولكن هل يعني أن هذه الظاهرة غير موجودة في سورية؟ إنها ظاهرة حديثة (لم تكن موجودة لا في سورية ولا حتى في أوربا عندما صدر قانون العقوبات السوري عام 1949 للميلاد) ولا يوجد أي نص قانوني سوري يجرم المساكنة؟!

كيف ينظر القانون إلى المساكنة؟

إن القانون السوري لم يتطرق لموضوع المساكنة بشكل مباشر، إذ لم ينص بقوانين صريحة على موضوع العيش المشترك بين المرأة والرجل وإقامة علاقة جنسية تحت سقف واحد دون رابط عقد الزواج، فالقانون لم يدن المساكنة ولم يبحها علناً، فقانون العقوبات يسمح بالحرية الجنسية للرجل والمرأة العازبين وهو من ضمن الحقوق الشخصية التي يصونها الدستور، لكن القانون أحياناً يعتبر المساكنة جريمة يعاقب عليها تحت اسم الزنا، ويعتبرها من الجنح المخلة بآداب الأسرة، بحسب المادة 473 من قانون العقوبات السوري تعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، ويقضى بالعقوبة نفسها على شريك الزانية إذا كان متزوجاً، وإلا فالحبس من شهر إلى سنة، فلا يوجد في القانون ما يسمى مساكنة لكن يوجد عقود زواج برانية تعتبر نوعاً من أنواع المساكنة والعرف يقرها ،فليس هناك أي مادة تمنع أو تعاقب المساكنة بين اثنين دون زواج شرعي، ولا يمكن اعتبارها تحت جرم الزنا إلا إذا تم الإبلاغ عنها للسلطات المختصة التي تقوم باستدعاء الطرفين ودفعهما (كما يحدث غالباً) إلى إجراء عقد زواج نظامي

(ففي حال التبليغ على الشاب والفتاة من قبل الجيران والقبض عليهما وهما يمارسان الجنس يعاقبان من قبل القانون بالحبس إذا لم توجد ورقة زواج براني). أما في حال وجود هذه الورقة، يثبت القاضي زواجهما آخذاً بعين الاعتبار أنها ستصبح زوجته)، مع الإشارة إلى أنه (في حالة القبض عليهما بسبب وجودهما في المنزل نفسه دون ممارسة الجنس لا يحق للقاضي محاسبتهما، لأنه من الممكن أن تربطهما علاقة عمل أو أي علاقة أخرى غير الجنس والحب)..

فبذلك نرى تناقضاً قانونياً، فهو من جهة يبيح العلاقة الجنسية بين المرأة والرجل الراشدين البالغين ومن جهةٍ أخرى يحرّمها، ومن المهم تأكيد ضرورة الاعتراف بهذه الظاهرة ومعالجة الخلل في نصوص القانون لتبقى على وتيرة واحدة، فيحسم هذا الموضوع ويعالجه من خلال تشريع (المساكنة) بعقد خاص يحمي الأطراف. فالحرية الشخصية لن تأتي منفصلة عن باقي القوانين، و إن التغيير الجذري الذي طرأ على النظر إلى مؤسسة الزواج تبعاً للانفتاح الكبير الذي شهده العالم، والقدرة الكبيرة على التواصل مع المحيط الخارجي والتعرف إلى أنماط حياة جديدة لا تبدو بالسوء الذي يتم وصمها به في المجتمعات الشرقية، علماً أن مجتمعات بكاملها ترى في الحياة الفردية وحرياتها شأناً مقدساً يجب عدم التنازل عنه لمصلحة عادات وتقاليد. وأن التواصل مع العالم والالتحاق بالركب العالمي يتطلب القبول بحلوله للمشاكل المختلفة الاقتصادية والاجتماعية..

الكاتب
المحامية نور عويس
المصدر
مركز دراساة المرأة - مساواة
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى