مقالات

الصراع الجندري، العنف كدالّة على الضعف – سميرة مبيض

تتعدد النظريات العلمية لتفسير الظواهر المتعلقة بالسلوك العنيف عند الذكور وتعددها يرتبط بالمحاور التي تستند عليها هذه النظريات، منها النظرية البيولوجية، والنظريات النفسية الذاتية المتعلقة بالشخص المعني ومنها النظريات المجتمعية المتعلقة بتأثير المجتمع على خلق وإنشاء هذه الظواهر.

تعتبر النظرية البيولوجية الأقل اعتمادا اليوم، وعادة ما تربط النظرية البيولوجية التوجه للعنف بمعدلات مرتفعة للهرمون المرتبط بالصفات الذكورية “التستوستيرون” عند الإنسان. لكن تقدم الدراسات النفسية قدم أبعاداً أهم لهذه السلوكيات لتوضح منشأ هذه الظاهرة والتي ترتبط بحالات من عدم التوازن المتعدد المنشأ ومنها أبحاث الباحثة الكندية Dianne Casoni والتي توصف العبور للعنف بكونها حالة الانتقال للفعل الخارجي العنيف لتفريغ التوتر الداخلي لدى الفرد المعني، وكذلك دراسات الباحثة الكندية Suzanne Léveillée والتي تظهر ارتباط هذه الظاهرة بوجود توجهات نحو التدمير الذاتي لمن يسلكون السلوك العنفي.

أما على الصعيد المجتمعي فقد كان لدراسة تأثير المجتمع على تفاقم أو تزايد هذه السلوكيات أهمية كبيرة وتتراوح النظريات بين النسوية منها التي تعتمد على تفسير الظاهرة من منطلق السعي للهيمنة الذكورية على النساء وبين كيفية تأسيس الإنسان في المجتمع الذكوري والتي تناولها العديد من الباحثين وبينوا أن المجتمع الذكوري يشكل انحرافات عن النشأة السليمة حيث يدفع بالإنسان دفعاً ومنذ طفولته نحو تمثل النموذج البطريركي بما يتطلبه من سلوكيات الهيمنة والعدوانية بعيداً عن التوازن وبما يراه الباحثون بكونه يشكل عبئاً على الإنسان السوي، ومن هذه الدراسات ما قدمته الباحثتين اللبنانيتين Azza Charara Baydoun و Roula Nasr

تتوجه مؤشرات الدراسات المتعلقة بالأمر من النواحي النفسية والمجتمعية، وليس البيولوجية، نحو ربط السلوك العنفي بحالة ضعف، فالمجتمع الذكوري يصنّع رجالاً ضعفاء، يستخدمون العنف، بكافة وسائله الضمنية والمعلنة، الفيزيائية والنفسية، للتغطية على انعدام التوازن والذي يزداد معدله بمواجهة النساء القويات، هذه النتائج ذات المرتكزات العلمية الصلبة يفترض أن تكون داعماً نحو تقويم المجتمع بعيداً عن النموذج البطريركي وللتوجه نحو بناء النموذج السوي بما يضمن نشأة أفراد ومجتمع سليمين.

في بعد رابع أقدمه، بشكل مكثف عبر هذا المقال، هو البعد الطبيعي للحياة والبعد الفطري للإنسان والذي يفسر بشكل معمق اختلال التوازن الناجم عن انحراف المجتمع، فالإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة التي خُلق ضمنها والنموذج الأمثل الذي اصطفته الحياة هو التساوي فالاستمرارية في الطبيعة تحمل نسبة متساوية بين الذكر والأنثى ولا يعدو الفرق بينهما من وجهة نظر طبيعية سوى بكون النوع الواحد ثنائي المسكن، وتتساوى جميع المعطيات الاخرى.

على عكس الاعتقاد السائد وعلى الأخص في منطقة الشرق الأوسط بكون ولادة الإنسان ذكرا هي ميزة في حين أنها ليست ميزة بل هو أمر ذو بعد بيولوجي وحسب، هذا الانطباع الخاطىء المتولد عند الذكور كرسه مجتمع يدور حول مفاهيم مغلوطة دينية واجتماعية تتبنى هذا المفهوم، فبالتالي ارتبطت صفة الذكورية بوجود مكتسبات وأصبح وجود المرأة في موقع المسؤولية المتساوية، يُعتبر منافساً لهذه المكتسبات التي يدافع عنها الرجل ويقاوم عودة المرأة لمكانها الطبيعي في المجتمع والحياة ومن ضمن هذه المقاومة نجد استخدام العنف يبرز كأداة للدفاع عن المكتسبات الموهومة ولمنع حصول النساء على حقوقهن والتي باتت تعتبر انتقاصاً من حقوق الرجال في حين أن الأمر لا يعدو كونه اختلال في توازن المجتمع والذي سيبقى في حالة اضطراب لحين عودته لحالة التوازن كما أي نظام آخر في الحياة ومهما أخذ ذلك من وقت أو جهود أو مسارات لكن حتمية عودته لمسار التوازن هي السائدة وكلما أدركت المجتمعات أهمية الدفع الإيجابي نحو العودة لهذا التوازن تختصر بذلك صراعات بينية على أسس جندرية، فهو صراع كسواه من صراعات المتعلقة بالمصالح، بمختلف أشكالها، سيبرز باستمرار طالما بقي الخلل قائم.

ختاماً، قد لا يرى كثيرون في الصراع الجندري، وما يكشف عنه من شروخ في بنية المجتمعات التي رضخت طويلاً لجمود فكري ومجتمعي، أمراً ذو أهمية ويحولون الأنظار عنه باستمرار، في حين أنه جزء رئيسي من معادلة الوصول للاستقرار في بلادنا عبر الوصول للسلام المحلي، والذي يبدأ من بناء أمان الإنسان بكونه إنسان بدءاً من طفولة سوية لا تدفع به لتبني نماذج مسبقة الصنع ستدفع به نحو انحرافات لاحقة ومن ثم إمكانية بناء علاقات إنسانية سليمة على كافة المستويات العائلية، المهنية، الثقافية، المجتمعية، السياسية قائمة على الندية والمساواة الانسانية لبناء مجتمع ذو بعد متوازن لا يتأرجح على حواف الانحرافات وذلك يتطلب تحقيق شروط ومعايير لا زالت مجتمعاتنا على مسافات بعيدة منها، وان كان المسار بدأ بخطوات هامة لكنها لا زالت قليلة بمواجهة تراكم العقود الماضية من التصلب السلبي، ولعل الأهم اليوم هو كيفية الوقاية من نتاج هذه التراكمات ومنع اعادة إنتاجها أي انتهاء حقبة تجميد المجتمع والانطلاق بأجيال تنشأ محمية من كل ما يخل بالفكر السوي ومدعمة بالعلم والمعرفة والانفتاح ومتمسكة بتوازن التنوع من ادق مستوياته إلى أوسعها.

الكاتب
د. سميرة مبيض
المصدر
نواة سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى