مقالات
أخر الأخبار

التسول.. مسؤولية مجتمعية كاملة

بينما يبدو الضجيج في الوسط السياسي مرتفعاً وصخباً للبحث في دائرة الأزمة السورية، والحراك مازال مستمراً وسط دائرة متنوعة تضم فئات وشخصيات وقرارات ومراسيم وتشريعات مختلفة وكثيرة، تفككت البينة الاجتماعية وتفسخت، فالجميع مشغول وفي حالة اغتراب عن هموم الحياة اليومية بحثاً عن الاستقرار السياسي الذي ينعكس على الاستقرار الاجتماعي.

في الواقع هنالك صورة لايختلف عليها اثنان في المجتمع السوري هي ظاهرة التسول، إذ يلاحظ الجميع ازدحام الأماكن العامة والمناطق الآمنة بالأطفال والشيوخ والنساء والعجزة والمعوقين.

فها هي ذي شوارع المدن وحدائقها قد أضحت ملتقى للمتسولين الذين منهم من ظهر خلال الأزمة، ومنهم من كان متسولاً سابقاً، ووجد الفرصة المناسبة ليظهر أكثر.. والتسول هو مدّ الكف لطلب الإحسان من الناس، أو عرض سلع للبيع بإلحاح، ويظهر في فترات الضيق الاقتصادي أو كارثة معينة أو يكون بحكم التكوين، فيكون هناك ميول كامنة في الشخص من الكسل والخمول والزهد في العمل وضعف الاكتراث بالقيم الأخلاقية.

من أجل ذلك لابد من التمييز بأن المتسولين ينقسمون إلى فئات:

1-أبسطهم من كان بحاجة وامتهن التسول بسبب الأزمة بعد أن دفعتهم الحاجة نتيجة لتردي الأوضاع المعيشية.

2-وأخطرهم صاحب العملية الممنهجة، إذ نرى أنها هي مهنة لدى البعض تمارس كحرفة بفنونها وتنظيماتها وأساليبها الخاصة، وهم يتبعون لعصابات منظمة ومتخصصة، فهنالك من يشغل النساء والأطفال والأحداث في عملية التسول.

ونظراً لما رآه المشرع السوري من خطورة للتسول، واعتباراً منه لمدى الآثار السلبية له، فقد أورد ضمن الباب العاشر من قانون العقوبات العام السوري بعض المواد التي تختص به وشدد العقوبة كذلك في حال التكرار، وهي على النحو الآتي:

المادة 596: من كانت له موارد أو كان يستطيع الحصول على موارد بالعمل واستجدى لمنفعته الخاصة الإحسان العام في أي مكان، إما صراحة أو تحت ستار أعمال تجارية، عوقب بالحبس مع التشغيل لمدة شهر على الأقل وسنة على الأكثر، أما بالنسبة لمن يتسول تحت ظروف، كالتظاهر بالعاهة أو حمل شهادة فقر كاذبة أو استصحب ولداً غير ولده أو أحد فروعه ممن هو دون السابعة من العمر، فعقوبته الحبس من ستة أشهر الى سنتين مع التشغيل، فضلاً عن وضعه في دار التشغيل إذا كان غير عاجز وبالحبس البسيط المدة نفسها إذا كان عاجزاً. ويمكن فضلاً عن ذلك أن يوضع في دار للتشغيل وفقاً للمادة 79 ويقضي بهذا التدبير وجوباً في حالة التكرار.. وعلى الرغم من وجود هذا القانون الخاص بالتسول إلا أنه غير مفعّل وما يزال يُنظر إلى الموضوع على أنه مخالفة وليس جنحة أو جناية، فالقانون لا يطبق تطبيقاً صحيحاً، والأحكام الموجودة هي قاصرة! فللأسف لا يمكن الحد من التسول بشكل جذري، وذلك يعود لعدة أسباب منها:

1-عدم وجود عقوبات رادعة من قبل القضاء بحق المتسولين، مثال على ذلك الأحداث وهم مابين سن 10 إلى 18 إذ نلاحظ ضمن القانون السوري رقم 18 لعام 1974 المادة الآتية: للمحكمة أن تفرض تدابير الرعاية على كل حدث وجد:

أ- متشرداً أو متسولاً لا معيل له ولا يملك مورداً للعيش.

ب- يعمل في أماكن أو يمارس أعمالاً منافية للأخلاق والآداب العامة، وللمحكمة في جميع الأحوال أن تفرض هذا التدبير على كل حدث رأت حالته تستدعي ذلك.

فإذا تعمقنا قليلاً في القضاء لوجدنا أنه يفترض حكماً ألا يستجوب الحدث إلا مع وجود مكتب الخدمة الاجتماعية التابع لوزارة العمل، وهو أصلاً غير موجود أي (غائب) منذ البداية، أما ما يصدر هنا فهو (أخف الأحكام)، غرامة مالية وتسليم الحدث للأهل، خاصة إن كان الحدث ممن يأتون للمرة الأولى للقضاء، فتصدر مذكرة توقيف من القضاء ببقائه في الدار مدة يومين فقط، أما إصدار الحكم بتوقيفه في الدار الخاصة فلا يحدث إلا في حال التكرار، أو إن لم يوجد من يستلم الحدث.

2- إضافة إلى الأسباب الأخرى لتنامي هذه الظاهرة، وهي ما شهدته الفترة الماضية من صدور أكثر من مرسوم عفو عن الجنح والجرائم شملت هذه الفئة، ومنهم الذين يعاملون كأحداث جانحين وفق القانون السوري.

3- لماذا لايكون السؤال عن الأهل؟ لماذا لا يعاقبون وأغلبهم يستغل الأطفال في التسول؟ خاصة أن هناك قانوناً واضحاً يحكم بالحبس من ستة أشهر إلى السنتين؟!

تاريخياً كانت ظاهرة التسول مقرونة بالفقر والاحتياج، أما الآن فقد اتسعت وأخذت أساليب متنوعة، ومما لا شك فيه أن المجتمع بأفراده ومؤسساته يتحمل نتيجة تزايد المتسولين، فيصبح المتسول ضحية الإجرام من السرقات والمخدرات والدعارة، وأيضاً ترك المتسولين من دون مراقبة ومكافحة من قبل الجهات المعنية يعني استنفاد رصيد المجتمع من القوى العاملة يعتمد فيه قسم من الناس على الآخرين، ويتحولون إلى مستهلكين دائمين وإنتاج جانحين ومجرمين في المستقبل، وهذا مؤشر على تراجع الإنسان والقيم الحضارية.

الكاتب
المحامية نور عويس
المصدر
جريدة النور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *